حبيب الله الهاشمي الخوئي
390
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وقد عملوا بآرائهم أمورا لم يكن لها ذكر في السنّة ، كحدّ الخمر فإنهم عملوه اجتهادا ولم يحدّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم شاربي الخمر وقد شربها الجمّ الغفير في زمانه بعد نزول آية التحريم ، ولقد كان أوصاهم في مرضه أن اخرجوا نصارى نجران من جزيرة العرب فلم يخرجوهم حتّى مضى مدة من خلافة عمر وعملوا في أيام أبي بكر برأيهم في ذلك واستصلاحهم ، وهم الَّذين هدموا المسجد بمدينة وحوّلوا المقام بمكَّة وعملوا بمقتضى ما يغلب في ظنونهم من المصلحة ولم يقفوا مع موارد النّص حتى اقتدى بهم الفقهاء من بعد ، فرجّح كثير منهم القياس على النص حتى استحالت الشريعة وصار أصحاب القياس أصحاب شريعة جديدة . قال النقيب : وأكثر ما كانوا يعملون بآرائهم فيما يجرى مجرى الولايات والتأمير والتدمير وتقرير قواعد الدّولة وما كانوا يقفون مع نصوص رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وتدبيراته إذا رأوا المصلحة في خلافها ، كأنهم يقيدون نصوصه المطلقة بقيد غير مذكور لفظا ولأنهم كانوا يفهمونه من قراين أحواله وتقدير ذلك القيد افعلوا كذا إن رأيتموه مصلحة . فأما مخالفتهم فيما هو محض الشرع والدّين وليس بمتعلق بأمور الدّنيا ، فإنه يقل جدّا نحو أن يقول : الوضوء شرط في الصلاة ، فيجمعوا على ردّ ذلك ويجيزوا الصلاة من غير وضوء ، أو يقول : صوم شهر رمضان واجب ، فيطبقوا على مخالفة ذلك ويجعلوه شوالا عوضا عنه ، فإنه بعيد إذ لا غرض لهم فيه ولا يقدرون على اظهار مصلحة عثروا عليها خفيت عنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم . والقوم الذين كانوا قد غلب على ظنونهم أنّ العرب لا تطيع عليا ، فبعضها للحسد ، وبعضها للوتر والثار ، وبعضها لاستحداثهم سنه عليه السّلام ، وبعضها لاستطالته عليهم ورفعه عنهم ، وبعضها كراهية اجتماع النبوة والخلافة في بيت واحد ، وبعضها للخوف من شدة وطئه وشدته في دين اللَّه ، وبعضها لرجاء تداول قبايل العرب الخلافة إذا لم يقتصر بها على بيت مخصوص عليه فيكون رجاء كل حىّ لوصولهم إليها ثابتا